بانياس وقلعة المرقب…حكاية البحر والحجر
حين يصل المسافر إلى بانياس، يصعب عليه أن يقرر إلى أين ينظر أولاً. إلى البحر الممتد أمامه، أم إلى التلال الخضراء خلفه، أم إلى تلك القلعة الداكنة التي تقف فوق الجبل منذ قرون طويلة وكأنها تراقب الساحل السوري بأكمله.
عرفت بانياس موقعها المميز منذ أقدم العصور. فعلى هذا الساحل مرّ الفينيقيون والإغريق والرومان والبيزنطيون والعرب، وتعاقبت حضارات كثيرة رأت في هذا المكان بوابة طبيعية بين البحر والداخل السوري. وبفضل موقعها على الطريق الساحلي بين الشمال والجنوب، تحولت بانياس إلى محطة للتجار والمسافرين والصيادين، وإلى واحدة من المدن التي ارتبطت حياتها بالبحر منذ آلاف السنين.
لكن المشهد الأكثر حضوراً في ذاكرة المنطقة يبقى قلعة المرقب.
فوق تلة بركانية ترتفع أكثر من 350 متراً عن سطح البحر، تقف القلعة شامخة منذ ما يقارب ألف عام. ويُعتقد أن جذورها تعود إلى العهد البيزنطي، قبل أن تتوسع وتتحول إلى واحدة من أعظم القلاع في شرق المتوسط خلال العصور الوسطى. وقد اختار بناة القلعة هذا الموقع بعناية استثنائية، فمن فوق أسوارها يمكن مراقبة الساحل والجبال والطرق التجارية المحيطة لمسافات طويلة.
وخلال القرن الثاني عشر أصبحت القلعة من أهم حصون فرسان الإسبتارية، الذين حولوها إلى مدينة عسكرية متكاملة تضم الأبراج والخزانات والكنائس والتحصينات الضخمة. وفي عام 1285 تمكن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس من استعادتها بعد حصار شهير، لتدخل بعدها مرحلة جديدة من تاريخها الطويل.
وما يميز قلعة المرقب عن كثير من قلاع المنطقة لونها الداكن الناتج عن الحجارة البازلتية البركانية التي بنيت منها. لذلك تبدو القلعة من بعيد وكأنها جزء من الجبل نفسه، لا بناءً أقيم فوقه.
الصور المنشورة هنا تعود إلى عام 1910، وتمنحنا فرصة نادرة لرؤية بانياس وقلعة المرقب كما بدتا قبل أكثر من قرن. ففي تلك السنوات كانت المدينة الساحلية أصغر بكثير مما هي عليه اليوم، وكانت القلعة ما تزال تهيمن على المشهد الطبيعي للمنطقة كما فعلت لقرون طويلة قبلها.
وعندما نتأمل هذه الصور الآن، فإننا لا نرى حجارة وأسواراً فحسب، بل نرى أجيالاً كاملة عاشت تحت ظل هذه القلعة، وصيادين أبحروا من شواطئ بانياس، ومسافرين مروا من هنا حاملين معهم قصصاً اختفت وبقيت آثارها.
ففي بانياس يلتقي البحر بالتاريخ.
وفي قلعة المرقب يقف الحجر شاهداً على قرون من التحولات التي مرت على الساحل السوري.
*الصور المرفقة توثق مشاهد من بانياس وقلعة المرقب عام ١٩١٠ م